بحث كامل عن الشاعر أبو البقاء الرندي
"لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ ... فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ"
هل تساءلت يوماً من صاحب هذه الأبيات التي خلدت مأساة سقوط الأندلس؟ إنه أبو البقاء الرندي، الشاعر الذي لم يكتب التاريخ بالحبر فحسب، بل كتبه بدموع الحسرة. عاش في عصر الانكسار، وشاهد مدن الفردوس المفقود تسقط الواحدة تلو الأخرى، فصاغ مشاعره في "نونية" شهيرة ما زالت تُدرس حتى اليوم. في هذا البحث، نكشف عن الوجه الآخر لهذا الأديب الفقيه، ونستعرض سيرته التي جمعت بين النحو والفقه والشجن الأندلسي.
الاسم الكامل: عمر بن عبد المجيد الرندي الأزدي.
الكنية: أبو البقاء / أبو الطيب / أبو علي (واشتهر بأبي البقاء).
المولد: ٦٠١ هـ (١٢٠٤ م) في رندة (جنوب الأندلس).
الوفاة: ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م) في رندة.
العمر: ٨٣ عاماً تقريباً.
اللقب: شاعر رثاء الأندلس / خاتمة الأدباء.
أشهر أعماله: قصيدة "نونية الرندي" (لكل شيء إذا ما تم نقصان).
الحقبة: عصر الموحدين وبداية دولة بني الأحمر (بني نصر).
النسب والمولد: من هي قبيلة "الرندي"؟
أبي علي الرندي: اسمه عمر بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى بن خلف بن موسى الأزدي الرندي.
ولد برندة في محرم سنة ستمائة وواحد هجريًا.
كنيته: أبو حفص، وأبو علي، واشتهر بكنية أبي علي. (١)
لقبه وأصوله العربية:
لقبه: اشتهر بلقب (الرندي) نسبة إلى موطنه الأصلي الذي ولد فيه (رندة) بضم فسكون، وهي معقل حصين بالأندلس، من أعمال تاكرنى، وهي مدينة قديمة بين إشبيلية ومالقة، بينها وبين بياسة سبعة أميال، وتقع على مقربة من النهر الكبير.
ولقب ب (الأزدي) نسبة إلى (أزد شنوءة) بفتح الألف وسكون الزاي وكسر الدال المهملة: وهو أرد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومن ثم يعد أبو علي الرندي عربيا صليبة لانتسابه إلى قبيلة أزدية قحطانية يمنية، وهي إحدى القبائل العربية التي دخل أفرادها بلاد الأندلس إبان الفتح الإسلامي، ثم استقروا بها مع غيرهم من العرب المسلمين لأنه لما استقر قدم أهل الإسلام بالأندلس، وتتام فتحها صرف أهل الشام وغيرهم من العرب هممهم إلى الحلول بها، فنزل بها من جراثيم العرب وساداتهم جماعة أورثوها أعقابهم إلى أن كان من أمرهم ما كان.
وهو (ما لقي) إقامة ووفاة؛ لإقامته بمالقة، واستقراره بها سنوات، ووفاته بها.
وهو (أندلسي) موطئا لانتمائه إلى بلاد الأندلس التي ولد فيها، ونشأ وتربى، وتنقل، وترحل في حواضرها تلميذاً ومعلماً.
وهو (نحوي) صناعة؛ لاهتمامه بالنحو، ونبوغه فيه، واشتغاله بتعليمه وتدريسه والتأليف فيه. (٢)
حياته العلمية في بلاط "بني الأحمر"
هو أديب وشاعر وناقد، قضى معظم أيامه في مدينة رندة، واتصل ببلاط بني نصر (بني الأحمر) في غرناطة، حيث كان كثير الوفادة والتردد عليها، يَسْتَرفد ملوكها، ويُنشد وأمرائها، ويُفيد من مجالس علمائها، ومن الاختلاط بآدابها. (٣)
مكانته الأدبية: خاتمة أدباء الأندلس
فهو صاحب شخصية مرموقة في عصره، علمًا وأدباً وشعرًا، اشتهر أمره بالأندلس، والمغرب، وكانت جوانبه المعرفية متعددة يظهر ذلك من خلال مؤلفاته. (٤)
أشهر مؤلفاته وكتبه
لم يكن لأبي البقاء الرُّندي مؤلفات كثيرة، بل قد تكون محصورة فيما يأتي: (٥)
- ألف جزءاً على حديث جبريل.
- صنف في الفرائض كتاباً اسمه "تقسيم الإرث".
- ألف في صنعة الشعر كتاباً سماه "الوافي في علم القوافي".
- له كتاب كبير سماه "روضة الأنس ونزهة النفس" ويعتبر من أكبر مؤلفاته، وقد نقل ابن الخطيب في الإحاطة عدة أوراق منه".
آراء العلماء فيه: شهادات في حق "خاتمة الأدباء"
يعد أبو البقاء الرُّندي أديباً وشاعراً وناقداً، عـاش في مدينة رُنـدة، واتصل ببلاط بني نصر بن الأحمر في غرناطة، وكان ينشدهم من شعره، وينال جوائزهم، وكان يفيد من مجالس علمائها ومن الاختلاط بأدبائها، نُقل عن ابن عبد الملك المُراكشي أنَّه قال: "كان خاتمة الأدباء بالأندلس بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيهاً حافظاً، فرضياً، متقنناً في معارف شتى، نبيل القصد متواضعاً مقتصداً في أحواله، وله مقامات بديعة في أغراض شتى". (٦)
خصائص شعره: السهل الممتنع وعذوبة اللفظ
"وهو كثير، سهل المأخذ، عذب اللفظ، رائق المعنى، غير مؤثر للجزالة"، من شعراء الأندلس، وله قصائد ونظم رائق في وصف العقل، والبحر، وغير ذلك تدل على رفيع أدبه".
ومن جميل شعره قوله في وصف العقل والتّغرُّب: (٧)
مَا أحْسَنَ العَقْلُ وآثَارَهُ ... لَوْ لازَمَ الإنسَانُ إيثارَهُ
يَصُونُ بِالعَقْلِ الفَتَى نَفْسَهُ ... كَمَا يَصُونُ الُحرُّ أسْرَارَهُ
لا سِيَّمَا إنْ كَانَ في غُرْبةٍ ... يحْتَاج أنْ يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ
وفاته: رحيل صوت الأندلس
وكانت وفاته في رُندة التي ولد بها، وقضى معظم حياته فيها، وذلك في عام أربعة وثمانين وست مئة. (٨)
أسئلة شائعة عن أبي البقاء الرندي (FAQ)
س: ما هي أشهر قصيدة لأبي البقاء الرندي؟
ج: هي "القصيدة النونية" في رثاء الأندلس، ومطلعها: لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ ... فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ. وتعد وثيقة تاريخية سجلت سقوط المدن الأندلسية.
س: لماذا سمي بـ "الرندي"؟
ج: نسبة إلى مدينة رُندة (Ronda) في جنوب الأندلس (إسبانيا حالياً)، وهي المدينة التي ولد وتوفي فيها.
س: هل عاصر أبو البقاء سقوط غرناطة؟
ج: لا، توفي عام ٦٨٤ هـ، بينما سقطت غرناطة عام ٨٩٧ هـ (أي بعد وفاته بأكثر من ٢٠٠ عام)، لكنه عاصر سقوط مدن عظيمة أخرى مثل إشبيلية، بلنسية، وقرطبة.
س: ما هو المذهب الشعري للرندي؟
ج: تميز شعره بالحكمة، الزهد، والرثاء السياسي، وكان أسلوبه "السهل الممتنع" الذي يجمع بين جزالة اللفظ ووضوح المعنى.
قائمة المراجع:
١- أ.د. علي قائد عبده سنان، أبو علي الرندي (ت ٦١٦هـ)، مجلة جامعة اليمن، العدد ٧، ٢٠٢١، ٨٧-٨٨
٣- نوف بنت محمد علي يماني، الحكمة في شعر أبي البقاء الرندي (البنية والدلالة)، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية وآدابها، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، ١٤٣٧هـ، ٥١-٥٢.
٤- المرجع السابق نفسه، ص ٥٢.
٥- عوض بن كامل بن حمدان السلمي، التشبيه في شعر أبي البقاء الرُّندي (دراسة بلاغية تحليلية)، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية،١٤٣٧هـ، ص ١٢.
٦- المرجع السابق نفسه، ص ١٢-١٣
٧- المرجع السابق، ص ١٣.
٨- المرجع السابق نفسه، ص ١٤.
