أبو العلاء المعري: "رهين المحبسين" الذي أبصر بعقله ما عجز عنه المبصرون (بحث شامل)

أبو العلاء المعري: "رهين المحبسين" الذي أبصر بعقله ما عجز عنه المبصرون (بحث شامل)

هل يمكن لرجل فقد بصره في الرابعة من عمره أن يرى الجحيم والجنة بعين خياله؟

أبو العلاء المعري لم يكن مجرد شاعر؛ بل كان ظاهرة عقلية فذة حيرت العلماء. عاش حبيس جدران بيته وحبيس جسده الكفيف، لكنه أطلق لخياله العنان ليصوغ "رسالة الغفران" التي قيل إنها ألهمت دانتي في "الكوميديا الإلهية".

في هذا البحث، نغوص في حياة "رهين المحبسين"، نكتشف سر ذاكرته التي لا تنسى، وفلسفته التي مزجت بين الزهد والتشاؤم، ولماذا اعتبره النقاد "فيلسوفاً يتشاعر".

الاسم الكامل: أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي (أبو العلاء).

اللقب الشهير: المعري / رهين المحبسين.

تاريخ الميلاد: ٣٦٣ هـ (٩٧٣ م) في معرة النعمان (الشام).

تاريخ الوفاة: ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م).

الإعاقة: فقد البصر (العمى) في سن الرابعة بسبب الجدري.

أشهر مؤلفاته: رسالة الغفران، سقط الزند، اللزوميات (لزوم ما لا يلزم).

مذهبه الفلسفي: الزهد، التشاؤم، وتحكيم العقل.

أبو العلاء المعري

النشأة والنسب: سليل بيت القضاء والأدب


حظِيَ أبو العلاء المعرّيّ باهتمام الدارسين قديماً وحديثاً؛ لما امتاز به من ميزات شخصية وأدبية ميّزته عن باقي الشعراء وجعلته رمزاً من رموز الإبداع العربي المهمة وموسوعة ثقافية للباحثين.


وهو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان المعرّيّ المولود بمعرّة النُّعمان سنة (٣٦٣هـ)، والمتوفى سنة (٤٤٩هـ)، ولُقِبَ بالمعرّيّ نسبة إلى مدينة معرّة النّعمان في بلاد الشام التي وُلِدَ فيها وعاشت على أرضها أسرته التي نبغ فيها الأدباء والقضاة، حيث كان جدُهُ سليمان يتولى قضاء المعرّة وأبوه كان شاعرًا إلى جانب تمتعه بثروةٍ لغويةٍ واسعةٍ، وعمهُ أبو بكر محمد بن سليمان كان شاعراً وقاضياً فضلاً عن أخويه محمد وعبد الواحد الّلذين كانا من الشعراء المعروفين في المعرّة.


لذا نشأ أبو العلاء المعرّيّ في بيئةٍ اتّسمت بالطابع الدينيّ واللغويّ، فضلاً عن النبوغ الشعريّ، وسعة اطلاع أبنائها، وعمق دراستهم في أصول الدين، وكانت هذه الروافد الأساس الأول لثقافة أبي العلاء الذي استند إليه واستمد منه كلّ مقومات اللغة والفقه.


وينحدر المعرّيّ من أسرةٍ عربيةٍ يرجع نسبها إلى قبيلة تنوخ اليمانية وجاء في الإنصاف والتحري، ضمن كتاب تعريف القدماء بأبي العلاء: "وتنوخ أكثر العرب مناقب وحسباً، ومن أعظمها مفاخر وأدباً، فيهم الخطباء والعلماء، والبلغاء والشعراء". (١)


صفات أبو العلاء المعري: أثر الجدري الذي أخفى شعلة من الذكاء الملتهب


وكان نحيف البدن، متوسط القامة، واسع الجبهة، في وجهه أثر الجدري وقد ابيضت احدى عينيه وغارت الثانية.


وكان من أصحاب الأفكار السليمة المثقفه، وشعلة من الذكاء الملتهب، وقوي الحافظة جدا. (٢)


مأساة الطفولة: كيف شكل "الجدري" فلسفته؟


أُصِيبَ أبو العلاء بمرض الجدري في السنة الرابعة من عمره، ولم يكن يُميّز من الألوان إلاّ اللون الأحمر؛ لأنّه أُلبِسَ لمّا أُصِيبَ بالجدري قميصاً أحمر، مما كان له الأثر الفاعل في تكوين فلسفته العلائية.


تلّقى علوم العربية على يد أبيه وأسرته، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، وقد أسعفته ذاكرته وذكاؤه الحاد على البحث والدرس والاستقصاء، فلم يقف فقدان بصره عائقاً أمام نبوغه الذي أخذ يتطور عندما درس على أيدي أبرز الشيوخ والفقهاء والرواة الذي كان من أبرزهم: أبو بكر محمد بن محمد النّحويّ، ومحمد بن عبد الله بن سعد راوية أبي الطيب المتنبي وغيرهم كثيرون. (٣)


ذكاء خارق وذاكرة حديدية


كان أبو العلاء آية خارقة في الذكاء وقوة الحافظة حتى قالوا إنِّه كان يلعب النرد والشطرنج، وعُرض عليه ذات يوم كفٌّ من اللّوبيا، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، وقال: ما أدري ماهي، إلا أني أُشَبهها بالكُلية، فتعجبوا من فِطنته وإصابة حدسه، وإذا سمع حديثا بلغةٍ غير العربية حفظه بحذافيره، وقد تحول يعبُّ وينهل من ثقافات عصره حتى استوعبها جميعا العربية منها والمترجم من اليونانية فلسفة وغير فلسفة، أو الهندية والفارسيّة، فكل ذلك بالإضافة إلى الثقافتين الإسلامية والعربية تمثله أبو العلاء تمثلا حيا خصبا، يرفعه إلى أعلى منزلة من الثقافة. (٤)

فلسفته وشعره: بين المتنبي والتشاؤم

وقد غلب على شعره صوت اليأس من الناس والحياة، والمعرفة بالدهر وتصاريف أيامه ولياليه، وهو يذكر الليل وظلمته كثيرا، ولعل ذلك يعود لفقده والده ومن ثم أمه وهو في طريق العودة من بغداد، بالإضافة إلى فقده لبصره، ومع هذا التشاؤم والزهد في الحياة، إلا أننا نجد في كثير من أبياته شعوراً عميقاً بأنه مقصر مهما قدم لربه من عبادة، ومع هذا فهو  آمل في غفران الله. 


ولاشك أن غزارة الإنتاج الشعري لديه دليل على هذه الثقافة التي تكونت وتجمعت من كل المشارب والأمم, فدواوينه الكثيرة خير دليل على ذلك، والمعرِّي تأثر في شعره بالمتنبي ويُعد تلميذًا نجيبًا لشعر المتنبي، وقد قيل: إذا كان المتنبي شاعرًا يتفلسفُ فالمعرِّي فيلسوف يتشاعر. والمقولة من باب التقريب بين الشاعرين لا من باب نفي الفلسفة عن الأول، أو الشعر عن الثاني، إذ إن المعرِّي قد جمع بينهما. (٥)


أهم آثاره ومؤلفاته


ساق القفطي عددًا من الدواوين والرسائل والكتب التي يقول عنها: إنني رأيتها ووقفت عليها ففي الشعر: ديوان سَقْط الزَّنْدِ، ولزوم ما لا يلزم، وملقى السبيل، وذكرى حبيب، وعبث الوليد، وزجر النابح، ومن الكتب والرسائل: جامع الأوزان، والقائف، وسجع القفيه، والسادن، والإقليد، والسجع السلطاني، ورسالة الغفران، ورسالة التعزية، ورسالة المنيح، ورسالة الإغريض.


ولعل أكثرها شيوعا وانتشارا وقبولا بين الناس ديوان سقط الزند واللزوميات بالإضافة إلى رسالة الغفران.


وقد بقي منها سقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، ورسالة الغفران، وجامع الأوزان، وملقى السبيل. وشَرَحَ ديوان المتنبي وسمَّاه (معجز أحمد). (٦)

وفاة الشاعر والفيلسوف

توفي الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري في مدينة معرة النعمان (شمال سوريا حالياً) يوم الجمعة من شهر ربيع الأول سنة ٤٤٩ هـ (الموافق لمايو ١٠٥٧ م)، وذلك بعد مرض لازمه لمدة ثلاثة أيام.

وأوصى أبو العلاء المعري أن يُكتب على قبره بيت شعر واحد، لخص فيه فلسفته المتشائمة تجاه الوجود وموقفه من الإنجاب:

​"هذا جَناهُ أبي عَليَّ ... وَما جَنَيتُ عَلى أَحَد"(٧)

أسئلة شائعة عن أبي العلاء المعري (FAQ)

س: من هو أبو العلاء المعري؟

ج:هو الشاعر الشهير أبو العلاء احمد بن عبدالله القضاعي المعري التنوخي ولد سنة ٩٧٣ م في معرة النعمان بالقرب من حماة في بلاد الشام، وأصيب بالجدري فعمي، وعاش في حلب و بنداد مدة طويلة ثم رجع الى بلدته المعرة، وتوفي سنة ١٠٥٧ م. جمع ما قاله من الشعر في شبابه في ديوان سماه (سقط الزند)، وشرحه وسمى الشرح (ضوء السقط)، وله ديوان آخر كبير سماء (واللزوميات أو لزوم ما لا يلزم)، وكتاب (ألايك والنصون)، وهو المعروف بالهمزة والردف، ولأبي العلاء آراء فلسفية ونظرات اجتماعية مشهورة. (٨)

س: لماذا لُقب المعري بـ "رهين المحبسين"؟

ج: لأنه حبس نفسه في بيتين (سجنين): سجن العمى (فقدان البصر)، وسجن البيت (حيث اعتزل الناس ولزم داره حتى وفاته).

​س: ما هي علاقة رسالة الغفران بـ "الكوميديا الإلهية" لدانتي؟

ج: يرى كثير من النقاد والمستشرقين أن رسالة الغفران التي وصف فيها المعري رحلة إلى الجحيم والجنة وحاور فيها الشعراء والأدباء، كانت الملهم الأساسي للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري في ملحمته الشهيرة، نظراً للتشابه الكبير في الفكرة.

​س: هل كان المعري ملحداً أو زنديقاً؟

ج: اتهمه البعض بذلك بسبب جرأته في طرح الأسئلة الفلسفية، لكن التحقيق العلمي وشعره (خاصة في اللزوميات) يثبت إيمانه بالله وزهده، وإن كان له رأي خاص في نقد بعض المظاهر الدينية الشكلية في عصره.

​س: بم تميز أسلوب المعري؟

ج: تميز بالعمق الفلسفي، وسعة القاموس اللغوي (استخدم مفردات غريبة ونادرة)، والتشاؤم الوجودي، والقدرة العجيبة على الوصف رغم العمى.

​🔎هل أعجبتك عبقرية المعري؟ إذا كنت مبهوراً بفلسفة "رهين المحبسين"، فلا بد أن تتعرف على الشاعر الذي ألهمه وكان يعتبره "معجزة" زمانه. 👇 اقرأ أيضاً: قصة المتنبي: [الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس]

قائمة المراجع:


١- محمد جبار حدّاد الساعدي، ألفاظ الطبيعة والإنسان في شعر أبي العلاء المعرّيّ (دراسة في ضوء نظرية الحقول الدّلاليّة)، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، الجامعة المستنصرية، ٢٠١٣، ص ١-٣.


٢- أحمد وهبة زكريا، المعري الشاعر الفيلسوف، مجلة أبولُّو،  العدد ٩، ١٩٣٤، ص ١.

٣- محمد جبار حدّاد الساعدي، مرجع سابق، ص ١-٣

٤- المرجع السابق نفسه. 

٥- تركي بن نزال الحمزي الشمري، الألفاظ المُعرَّبة في ديوان سَقَطِ الزَّنْدِ لأبي العلاء المعري عرضاً ودراسة، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ١٤٣٤هـ، ١٥-١٦.


٦- المرجع السابق نفسه، ص ١٦.


٧- الإمام الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، الجزء ١٨، الطبعة الحادية عشر، ١٩٩٦م، ص ٣٦-٣٩.

٨- أحمد محرم، أبو العلاء المعري، مجلة الزهور، العدد ٧، ١٩١٣م، ص ٢.

مكتبة جواد
مكتبة جواد
تعليقات