بحث عن الذكاء العاطفي

بحث عن الذكاء العاطفي

لقد شهد عقد الثمانينات من القرن الماضي زيادة غير مسبوقة في الدراسات والأبحاث العلمية الخاصة بعواطف الإنسان، وبخاصة الأبحاث التي تمكنت من رصد طريقة عمل الدماغ ومراقبة مجموعة خلاياه المعقدة باستخدام وسائل التكنولوجيا المتقدمة في الأثناء التي يفكر فيها الفرد أو يتخيل أو يحلم، فبهذه البيانات العصبية أتيح فهم الكيفية التي تتحرك بها مراكز المخ الخاصة بعاطفة الفرد فيشعر بالغضب، أو يبكر بالدموع، وكيف توجه أجزاء الدماغ التي تدفعه إلى أن يخوض حربا أو إلى ممارسة مشاعر الحب.  (١)

ومما تجدر الإشارة إليه أن البحث العلمي بدأ في الاهتمام بانفعالات الإنسان وتطوير الأساليب والطرق المناسبة، لفهم ودراسة هذه الانفعالات التي كانت مصدر غموض، وهذه الأساليب وضعت في بؤرة البحث العلمي ألوانا حديثة قابلة للتطبيق لممارسات تنمية وتطوير الذكاء الانفعالي الذي يسهم في توفير العلاج للأزمات العاطفية التي تجتاح العالم.


ويعتبر خوالدة العواطف جانبا أساسيا في جانب السلوك الإنساني، وهي وثيقة الصلة بحياة الإنسان وشخصيته وتختلف باختلاف شخصية الفرد وسلوكه فمن الناس من لديه نضج عاطفي انفعالي، وله القدرة على التكيف مع أفراد المجتمع الذين يعيش معهم، ومنهم من ليس رهو غالبا ما يعاني من مشكلات التكيف والتوافق مع أفراد محيطه ومجتمعه. (٢)


ويرى أزوباردي أن الانفعالات سواء كانت سلبية أو إيجابية ضرورية للحياة اليومية فهي تشبع حاجاتنا اليومية وتقود الإنسان وتتحكم بقراراته، خصوصا عندما يكون مقتنعاً بعكس ما يفعله، لذلك فمن المهم جدا توفر الذكاء الانفعالي عند الفرد، فإن المستقبل سيشهد نهوض قيم جديدة هي الحدس والرقة والتعاطف والتشاور والمشاركة الواعية، وعلى هذه الأسس يتم تسوية المشكلات الكبرى، فالمستقبل سيكون لأولئك الذين يمتلكون معدلات ذكاء انفعالي مرتفعة (٣)، ويرى الأعسر والكفافي للذكاء العاطفي جذوره الممتدة في مفهوم الذكاء الاجتماعي، فإن النظريات التي أضفت صفة الذكاء على العاطفة ليست حديثة، فعلى مر السنيين قام المنظرون بدراسة العلاقة بين الذكاء والعاطفة باعتبارهما متكاملين وليسا متضادين. (٤)


ويذكر أبو حطب أنه خلال الأعوام ما بين ١٩٢٠-١٩٣٠: امتد مفهوم الذكاء الاجتماعي بأصوله إلى العالم ثورندايك في كتابه عن الذكاء، وتمييزه المعروف بين الذكاء الاجتماعي والحركي، حيث عرض الذكاء الاجتماعي بأنه القدرة على فهم الآخرين والسلوك الحكيم في العلاقات الإنسانية، واعتبر الذكاء الاجتماعي هو البشر أنفسهم ونبه إلى مشكلات قياس الذكاء الاجتماعي، واستبعد استخدام الاختبارات اللفظية. (٥)

بحث عن الذكاء العاطفي

وذكر خوالدة أنه في عام ١٩٦٠: صدر كتاب عن الذكاء ومقاييسه ولكن في هذا الكتاب صور أن الذكاء الاجتماعي لا أهمية له. (٦)


ويوضح خوالدة أنه في عام ١٩٨٥: أشار روبرت سترنبرج في كتابه (ما بعد الذكاء) إلى أن الذكاء الاجتماعي مستقل عن القدرات الأكاديمية وأنه مفتاح أساسي للأداء الناجح في الحياة، وأكد هوارد جاردنر في كتابه الذكاءات المتعددة أن فهم الإنسان لنفسه وللآخرين وقدرته على استخدام وتوظيف هذا الفهم يعد أحد أنواع الذكاء. (٧)


وفي عام ١٩٩٠: قام بيتر سالوفي وجون ماير بتقديم نموذج للذكاء الانفعالي في كتابهما: (الخيال، المعرفة، الشخصية).


وفي عام ١٩٩٥: أصدر دانييل جولمان كتابه ( الذكاء الانفعالي: لماذا يعني أكثر مما تعني نسبة الذكاء)، وفي عام ١٩٩٥: قام جاك بلوك بدراسة بعض المتغيرات الشخصية المرتبطة بالذكاء مستقلاً عن الذكاء الانفعالي، والذكاء الانفعالي مستقلا عن الذكاء، وأشارت نتائجه إلى أن ذوي الذكاء المرتفع مستقلاً عن الذكاء الانفعالي كانوا أكثر تميزا في الجوانب العقلية وأقل تميزا في الجوانب الشخصية، أما المتميزون في الذكاء الانفعالي مستقلا عن الذكاء فكانوا أكثر تميزا في الجوانب الاجتماعية ولديهم اتجاهات إيجابية نحو أنفسهم ونحو الآخرين.


تعريف الذكاء العاطفي


الذكاء العاطفي: هو القدرة على إدراك وفهم العواطف والمشاعر للآخرين قبل استخدامها، أي أنه الاستخدام الأمثل والذكي للعواطف والمشاعر وإدارتها، فالمدير-القائد- يستطيع أن يجعل عواطفه تعمل من أجله أو لصالحه باستخدامها في ترشيد سلوكه وتفكيره بطرق ووسائل تزيد من فرص نجاحه وتحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة لنفسه ولمن حوله في المؤسسة إن كان في العمل أو في المدرسة أو في الحياة بصورة عامة. (٨)


أهمية الذكاء العاطفي


پری جولمان إن القدرة على السيطرة على الانفعالات هي أساس الإدارة الشخصية، وعلى النحو نفسه فإن أساس مشاعر الإيثار إنما تكمن في التعاطف الوجداني مع الآخرين، أي القدرة على قراءة عواطفهم، أما العجز عن الإحساس بحاجات الآخرين أو مشاعرهم، فمعناه عدم الاكتراث، وإذا كان هناك موقفان أخلاقيان يستلزمهما العصر الحالي فهما على وجه التحديد، كبح الذات والتراحم. (٩)


كما يرى أن إدارة العواطف هي تحد، وهي أيضا حاجة، فالعواطف هي التي تقود التفكير والقيم والبقاء وإذا مورست بشكل جيد تنتج حكماء، والمشكلة كما يقول أرسطو ليست في الحالة العاطفية نفسها، ولكن في سلامة هذه العاطفة وكيفية التعبير عنها. (١٠)


ويؤكد جولمان أن هذا العلم أسهم في توسيع النظرة الضيقة للذكاء، فهناك أشخاص يتمتعون بذكاء مرتفع، ولكن لا يستطيعون تسيير حياتهم العاطفية، ويمكن أن يرد هذا إلى أن عامل الذكاء الأكاديمي ليس له سوى علاقة محددة بالحياة العاطفية والانفعالية.


لذلك في ظل هذه الظروف، فإنه يقع على المدرسة دور كبير وجديد يدفعها للاضطلاع بمهمة التعليم الانفعالي، الذي يجب أن يكون أحد كفايات المعلمين، وعلى المدرسة في الدور الجديد أن يجمع التعليم فيها بين القلب والعقل، ومثل هذه الدراسات والأبحاث ستزود المعلمين والمرشدين بأدوات يمكن استخدامها في مجال تنمية مهارات الذكاء الانفعالي.


إن أهمية الذكاء الانفعالي متمثلة في الصلة بين الأحاسيس والشخصية والاستعدادات الأخلاقية الفطرية، وإن المواقف الأخلاقية الأساسية في الحياة إنما تنبع من قدرات الإنسان الانفعالية الأساسية، ذلك أن الانفعال بالنسبة للإنسان هو واسطة العاطفة، وبذرة كل انفعال، وهو شعور يتفجر داخل الإنسان للتعبير عن نفسه في فعل ما، وهؤلاء الذين يكونون أسرى الانفعال أي المفتقرون للقدرة على ضبط النفس، إنما يعانون من عجز أخلاقي، فالقدرة على السيطرة على الانفعال هو أساس الإدارة وأساس الشخصية، وإن أساس مشاعر الإيثار إنما يكمن في التعاطف الوجداني مع الآخرين، أي القدرة على قراءة عواطفهم أما العجز عن الإحساس باحتياج الآخر أو بشعوره بالإحباط فمعناه عدم الاكتراث. (١١)


مكونات الذكاء العاطفي


هناك أربعة قدرات تمثل مكونات الذكاء العاطفي بين الأفراد عرضها كل من "جاردنر وهـاتش" على النحو التالي (١٢): 


  1. تنظيم المجموعات: وتعني القدرة العقلية التي يتمتع بها القائد في تقسيم العمل والجهد على مجموعات مشتركة من الأفراد، وتظهر هذه المهارة لدى المخرجين والعسكريين، كما تشاهد على أرضية الملاعب وفي الأطفال الذين يأخذون زمام المبادرة فيحددون مراكز أقرانهم أو ينصبون أنفسهم قائدين للفريق.
  2. الحلول التفاوضية: تمثل في موهبة الوسيط الذي يستطيع أن يمنع وقوع المنازعات أو يستطيع إيجاد الحلول للنزاعات التي تنشب بالفعل، فالأشخاص الذين لديهم هذه القدرة يتفوقون في أعمالهم، مثل عقد الصفقات وقضايا التحكيم، والتوسط في المنازعات وفي السلك الدبلوماسي أو في التحكيم القانوني، وهؤلاء جميعا هم من نجحوا أطفالاً في حل الخلافات على أرض الملعب.
  3. العلاقات الشخصية: العلاقة الطيبة مع الناس - مشاركة الآخرين - والتعاطف والتواصل معهم من المواهب التي تسهل القدرة على المواجهة، فالتعرف بالشكل المناسب على عواطف الآخرين ومشاعرهم، يعتبر فن العلاقات الشخصية، فالأشخاص الذين يتمتعون بهذه القدرة نجدهم لامعين بين أقرانهم متميزين عن غيرهم محبوبين بين زملائهم، فهم أزواج يعتمد عليهم، وأصدقاء طيبون، ومديرون محبوبون، ومعلمون متميزون.
  4. التحليل الاجتماعي: أي القدرة على اكتشاف مشاعر الآخرين ببصيرة نافذة، ومعرفة اهتماماتهم ودوافعهم ومعرفة الناس والشعور بهم، ويؤدي ذلك إلى إقامة العلاقات الحميمة والإحساس بالوئام والقدرة على التحليل الاجتماعي بأفضل تحليل، وقد يصبح من يتمتع بهذه القدرة طبيباً ناجحاً، أو مستشاراً أو مؤلفاً موهوبا أو مديراً وقائداً محبوباً.


وإذا اجتمعت هذه المهارات معا تصبح مادة لصقل وتهذيب العلاقات بين الأفراد، وهي المكونات الضرورية للجاذبية والنجاح الاجتماعي والعاطفي، فهؤلاء المتمتعون بالكفاءة في الذكاء العاطفي يسهل عليهم الارتباط بالناس من خلال ذكائهم في قراءة انفعالات الناس ومشاعرهم ومن السهل أن يكونوا قادة ناجحين.


أبعاد الذكاء العاطفي


إن الذكاء العاطفي ينمو ويتطور بالتعلم والمران على المهارات والقدرات التي يتشكل منها، ويرى جولمان كما ذكره خوالده (١٣) أن هناك خمسة أبعاد تشكل الذكاء العاطفي وهي:


  1. الوعي الذاتي: وهو القدرة على التصرف والقدرة على فهم الشخص لمشاعره وعواطفه هو، وكذلك الدوافع وتأثيرها على الآخرين من حوله، وهو أساس الثقة بالنفس، فالقائد في حاجة ليعرف أوجه القوة والضعف لديه، ويتخذ من هذه المعرفة أساسا لاتخاذ قراراته، وقد قيل : (قيمة كل امرئ ما يحسنه).
  2. ضبط الذات: وهو القدرة على ضبط وتوجيه الانفعالات والمشاعر القوية تجاه الآخرين، ويكون ذلك من خلال معرفة كيفية التعامل مع المشاعر التي تؤذيه وتزعجه وهذه المعرفة هي أساس الذكاء العاطفي، قال: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). (١٤)
  3. الحافز: وهو حب العمل بغض النظر عن الأجور والترقيات والمركز الشخصي.
  4. التعاطف العقلي: وهو القدرة على تفهم مشاعر وعواطف الأخرين (من صوتهم أو تعبيرات وجوههم وليس بالضرورة مما يقولون) وكذلك المهارة في التعامل مع الأخرين فيما يخص ردود أفعالهم العاطفية.
  5. المهارة الاجتماعية: وهي الكفاءة في إدارة العلاقات وبنائها والقدرة على إيجاد أرضية مشتركة وبناء التفاهمات، وهذا ما يميز القائد المحنك، في القدرة على تحريك مشاعر مستمعيه، كما أن من يفتقرون إلى مقدرة إرسال واستقبال العواطف، يكونون عرضة للوقوع في المشاكل في علاقاتهم مع الآخرين ومن يتعاملون معهم ولا يشعرون بالارتياح لهم.


اقرأ أيضا: بحث عن الذكاء الاصطناعي

قائمة المراجع:


١- جولمان، دانيال، ترجمة: د. هشام الحناوي، ذكاء المشاعر-الذكاء الانفعالي، هلا للنشر والتوزيع، الجيزة، ٢٠٠٥، ص ٢٨.


٢- خوالدة، محمود، الذكاء العاطفي والذكاء الانفعالي، دار الشروق، عمان، ٢٠٠٤.


٣- أزوباردي، جل، أختبر ذكاءك العقلي والانفعالي، مكتبة النهضة، بيروت، ٢٠٠٤.


٤- الأعسر، صفاء، وعلاء الدين الكافي، الذكاء الوجداني، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، ٢٠٠٠.


٥- أبو حطب، فؤاد وصادق، آمال، القدرات العقلية، دار النهضة، القاهرة، ١٩٨٢.


٦- خوالدة، محمود، مرجع سابق، ٢٠٠٤.


٧- خوالدة، محمود، مرجع سابق، ٢٠٠٤.


٨- فهد بن محمود بن عبد العزيز طيب، الذكاء العاطفي في السيرة النبوية وتطبيقاته في الادارة التربوية، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، ١٤٢٨، ص ٢٨.


٩- جولمان، دانيال، ترجمة: د. هشام الحناوي، مرجع سابق، ٢٠٠٥.


١٠- خوالدة، محمود، مرجع سابق، ٢٠٠٤، ص ٤٤.


١١- جولمان، دانيال، ترجمة: د. هشام الحناوي، مرجع سابق، ٢٠٠٥.


١٢- حسين، محمد عبد الهادي، تربويات المخ البشري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ٢٠٠٣، ص ٣٨٤-٣٩٠.


١٣-  خوالدة، محمود، مرجع سابق، ٢٠٠٤، ص ٣٢.


١٤- صحيح البخاري . ك ... الأدب ، رقم ٥٦٤٩.



مكتبة جواد
مكتبة جواد
تعليقات