بحث حول السياسة المالية

بحث حول السياسة المالية

السياسة المالية أحد السياسات الاقتصادية التي تستخدم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وازدادت أهمية هذه السياسة في  القرن الماضي في ظل أزمة الكساد الكبير وعجز النظرية الكلاسيكية والية السوق عن إصلاح الوضع الاقتصادي وظهور الأفكار الكينزية التي أعطت للسياسة المالية الدور الرئيس في إصلاح النظام الاقتصادي وزيادة الطلب الكلي الفعال من أجل تحريك عجلة النشاط الاقتصادي.

بحث حول السياسة المالية

عرفت السياسة المالية تعاريف كثيرة منها " دور الحكومة في تحديد المصادر المختلفة للإيرادات العامة للدولة والأهمية النسبية لكل منها، وكيفية استخدام هذه الإيرادات في المجالات التي من شأنها تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية".(١) وعرفت أيضا " استخدام الإيرادات العامة والنفقات العامة والدين العام لتحقيق التوازن بين جانبي الموازنة والحيلولة دون ارتفاع التضخم".(٢) أو هي التغيرات في مكونات الميزانية العامة لتحقيق الاستقرار في الأسعار والتشغيل الكامل بصورة نسبية وتحقيق نمو اقتصادي مقبول.(٣)


تعرف أيضا " استخدام الإيرادات والنفقات والدين العام لتحقيق مستويات عالية من الإنتاج الكلي والحيلولة دون حدوث التضخم ".(٤) أو هي  مجموعة الأهداف والإجراءات التي تتخذها الدولة للتأثير في الاقتصاد القومي والمجتمع بهدف المحافظة على الاستقرار العام وتحقيق التنمية ومعالجة المشاكل ومواجهة كافة الظروف المتغيرة.(٥) وعرفها (Bach) استخدام الانفاق الحكومي والضرائب والاقتراض للتأثير في الطلب الكلي حسب الحالة الاقتصادية التي يمر بها البلد لتحقيق النمو الاقتصادي وتخفيض معدلات البطالة وإعادة توزيع الدخل بشكل يحقق العدالة قدر الإمكان.(٦)


او هي دراسة تحليلية للنشاط المالي للاقتصاد العام بكل قطاعاته المختلفة ذات الطبيعة الاقتصادية والإدارية، وما يتبع ذلك من آثار لمختلف قطاعات الاقتصاد القومي من خلال تكييف حجم النفقات العامة والإيرادات العامة كميا ونوعيا .(٧) أو هي الطريق الذي تنتهجه الدولة لاستخدام الأدوات المالية، الإيرادات العامة والنفقات العامة والموازنة العامة لمواجهة وعلاج المشاكل الاقتصادية المختلفة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ضوء الفلسفة الاقتصادية والسياسية التي تتبناها الدولة.(٨)

     

تعرف أيضا الإجراءات التي تقوم بها الحكومة بغية تحقيق التوازن المالي العام ومستخدمة بذلك الوسائل المالية المهمة كالضرائب والرسوم والنفقات والقروض العامة، من أجل التأثير في المتغيرات الاقتصادية الكلية والوصول إلى أهداف السياسة الاقتصادية العامة للدولة. (٩) وأخيرا هي التغيرات في الضرائب والإنفاق الحكومي من أجل التأثير على الناتج المحلي الإجمالي.(١٠) 


ويعرف الباحث السياسة المالية  الإجراءات الوسائل التي تستخدمها السلطة المالية كالضرائب والإنفاق الحكومي وحتى التمويل بالعجز لغرض معالجة المشاكل الاقتصادية وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية ودعم وتحفيز عملية التنمية الاقتصادية في البلد.


ثانيا: أهداف السياسة المالية


هناك عدة أهداف للسياسة المالية هي (١١):-


  1. تحقيق الكفاءة الإنتاجية عن طريق استغلال الموارد المتاحة الاستغلال الأمثل.
  2. تحقيق العمالة الكاملة، للسياسة المالية دور في تحديد مستوى العمالة والأجور.
  3. تحقيق التقدم الاقتصادي الذي يقاس من خلال متوسط نصيب الفرد من السلع والخدمات الذي يعد مؤشراً لمدى التقدم الاقتصادي والذي يعكس في النهاية مستوى الرفاهية للأفراد.
  4. تحقيق العدالة في توزيع الدخل وتقليل الفجوات الكبيرة بين مستويات الدخل المختلفة المحافظة على قيمة النقود من خلال الإجراءات المالية من أجل تحقيق الاستقرار في المستوى العام للأسعار.(١٢)
  5. المحافظة على مستوى دخل الأفراد والعمل على زيادته.(١٣)
  6. توفير الإمكانات والموارد المالية اللازمة لتعجيل عملية التنمية الاقتصادية والتي أصبحت المهمة الأساسية لحكومات الدول النامية.(١٤)


ثالثا: أدوات السياسة المالية 


للسياسة المالية نوعان من الأدوات هما:-


1- الأدوات التلقائية هذه الأدوات تقوم بتحقيق الأهداف بطريقة ذاتية  او بتدخل من قبل الدولة وتشمل هذه الأدوات:-


أ‌- الضرائب التصاعدية أي استخدام نظام الضرائب التصاعدية فتزداد حصيلة الضرائب بزيادة الدخل و تنخفض بانخفاض.(١٥)أي هناك علاقة طردية بين حصيلة الضريبة والدخل ففي حالة الكساد تنخفض الدخول وتنخفض الحصيلة الضريبية تبعا لذلك هكذا يمكن من خلال الضريبة التصاعدية ضبط الإنفاق الذي يساعد على ضبط الطلب الكلي أو تحفيزه حسب الحالة الاقتصادية.(١٦)


ب‌- المدفوعات التحويلية من الحكومة الى القطاع العائلي على شكل إعانات.(١٧)


ج‌- الإعانات الحكومية التي تقدم لبعض القطاعات الاقتصادية كالزراعة وبعض الصناعات الأساسية من أجل دعم دخول الأفراد والمحافظة على استقرارها إذ إن دعم أسعار المنتجات الزراعية والصناعية يؤدي إلى زيادة الدخول في وقت الكساد وانخفاض الدخول في وقت التضخم بسبب انخفاض الدعم.


د‌- التغير في مستوى الإنفاق الخاص عند انخفاض دخول الأفراد في مدد الكساد يحاول الأفراد المحافظة على مستوى معاشي قريب من المستوى السابق من خلال السحب من المدخرات أو الاقتراض أو بيع جزء من الأصول الرأسمالية، ففي مدة الكساد يستهلك الأفراد جزءاً من مدخراتهم بسبب انخفاض دخلهم الشخصي ومن ثم فإن الإنفاق الكلي سينخفض ولكن إلى مستوى أقل من المتوقع.


هـ- تعويضات البطالة تعمل كعامل استقرار من شانه أن يؤثر في مستويات الإنفاق في أوقات التضخم او الكساد ، ففي أوقات الكساد تكون مستويات البطالة عالية وستزداد التعويضات المدفوعة للعاطلين ونتيجة للبطالة سينخفض الدخل ولكن انخفاض الدخل في ظل وجود التعويضات سيكون أقل من المستوى المتوقع، أما في حالات التضخم يرتفع معدل التشغيل وتنخفض التعويضات المذكورة.(١٨)


و- سياسة توزيع الأرباح الرأسمالية في المدى القصير لا تعمد الشركات إلى تغيير مستوى الأرباح القابلة للتوزيع على المساهمين، إذا كان الاقتصاد على وشك الدخول في فترة انكماش فإن الشركات لا تعمد الى تخفيض مستوى الأرباح القابلة للتوزيع والعكس صحيح وبذلك فإن هذه السياسة تعمل على تصحيح الأوضاع وتحقيق أهداف السياسة المالية بطريق غير مباشرة.(١٩)


2- الأدوات المقصودة هذه الأدوات تستخدمها الحكومة للتأثير في مستوى الإنتاج والدخل او الأسعار مباشرة من خلال التأثير في مستوى الطلب الكلي وتتضمن هذه الأدوات:-


أ‌- الإنفاق الحكومي.


ب‌- نظام الضرائب.


ج- كلاهما معا.


يتم استخدام هذه الأدوات وفقا للحالة الاقتصادية السائدة، ففي حالة الكساد يكون هدف السياسة المالية رفع مستوى الطلب الكلي من خلال تخفيض معدلات الضرائب أو رفع مستوى الإنفاق أو كليهما والعكس في حالة التضخم فتقوم الحكومة برفع معدلات الضرائب او تخفيض الإنفاق الحكومي أو كليهما من أجل ضبط مستوى الطلب الكلي. (٢٠)


د- فالسياسة المالية من خلال أدواتها ضرورية لتحقيق الاستقرار إذ لا يمكن أن تتحقق العمالة الكاملة واستقرار الأسعار في اقتصاد السوق بل يتطلب توجيه السياسة المالية فبدون هذه السياسات يتعرض الاقتصاد إلى تقلبات يمكن أن تدوم لمدة طويلة منها البطالة والتضخم، ففي أوقات الكساد تكون إجراءات السياسة المالية توسعية لزيادة الطلب الكلي وانكماشية في حالات التضخم.(٢١)


رابعا:- السياسة المالية والاستقرار الاقتصادي

  1. معالجة حالة التضخم: تستعمل السياسة المالية الانكماشية لمواجه التضخم من خلال استعمال أدواتها منها الإنفاق الحكومي إذ تقوم السلطة المالية بتخفيض الانفاق الحكومي وهذا الإنفاق هو احد مكونات الطلب الكلي وعليه سينخفض الطلب الكلي ومن ثم تنخفض الأسعار.(٢٢) وكذلك يمكن استخدام الضرائب لعلاج التضخم إذ تقوم السلطة المالية بزيادة معدل الضرائب إذ سينخفض الدخل القابل للتصرف بالنسبة للمستهلكين ومن ثم سينخفض إنفاقهم الاستهلاكي وسينخفض الطلب الكلي وتنخفض الأسعار.(٢٣) ويمكن أيضا تخفيض الإنفاق الحكومي مع زيادة الضرائب معا اللذان سيؤديان إلى انخفاض الطلب الكلي ومن ثم الأسعار.
  2. معالجة حالة الركود: يمكن استعمال سياسة مالية توسعية لمعالجة حالة الهبوط في النشاط الاقتصادي إذ تقوم الحكومة بزيادة الإنفاق الحكومي بشقيه الاستهلاكي والاستثماري من أجل تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة مستوى التشغيل اي زيادة الطلب الكلي لأن الإنفاق الحكومي كما ذكرنا هو أحد مكونات الطلب الكلي فزيادة الإنفاق الحكومي سيؤدي إلى زيادة الطلب الكلي مباشرة.(٢٤)

     

وهنا يمكن أن لا تؤدي زيادة الإنفاق الحكومي دورها في التأثير على الاستثمار ومن ثم زيادة الطلب الكلي إذا كانت هذه النفقات ممولة عن طريق الضرائب لأن هذه الضرائب تمثل جزءاً مقتطعاً من الإنفاق الخاص وعليه اذا أريد تحقيق آثار توسعية في الاقتصاد فمن المستحسن أن تقوم الحكومة باللجوء إلى القروض من البنك المركزي إذ أن إنفاق حصيلة القروض سيؤدي إلى زيادة الطلب الكلي ومن ثم زيادة مستوى الناتج الحقيقي. فضلا عن ذلك يمكن للجوء للتمويل بالعجز إذ أن زيادة الإنفاق هنا يؤدي الى زيادة الطلب الكلي ومن ثم الناتج الحقيقي وهنا يجب أن تتوافر موارد إنتاجية عاطلة مع جهاز إنتاجي مرن لغرض تشغيل هذه الموارد وزيادة الناتج الحقيقي في النهاية.(٢٥) أما في الدول النامية فإن جهازها الإنتاجي يكون غير مرن ومن ثم فإن توسع الإنفاق الممول بالعجز سيوف لا يؤدي الى زيادة الناتج وإنما حدوث ضغوطا تضخمية ستصبح سياسة التمويل بالعجز غير مجدية في الدول النامية.(٢٦)


وللضرائب دور في معالجة حالة الركود  فتخفيض الضرائب سيؤدي الى زيادة الدخل القابل للتصرف وزيادة الاستهلاك ومن ثم نقل الطلب الكلي الى اليمين، (٢٧) ولكن قد لا يؤدي انخفاض الضرائب هذا الدور لا سيما إذا كانت هذه التخفيضات في الضرائب لصالح الطبقات الغنية فإن هذه الزيادة في الدخول لا توجه الى الاستهلاك وستصبح سياسة تخفيض الضرائب غير فعالة. ويمكن للدولة أيضا أن تقوم بتسديد القروض فتزداد الاحتياطيات النقدية في البنوك وتتوسع البنوك للإقراض فيزداد الطلب الكلي وهنا لابد أن تكون السياسة النقدية تعمل على عدم تخفيض سعر الفائدة حتى لا تؤدي إلى زيادة الاستثمار ومن ثم زيادة الطلب الكلي وتفشل السياسة المالية في تخفيض التضخم.(٢٨)



قائمة المراجع:


١- عبد الوهاب الأمين ،مبادئ الاقتصاد الكلي، الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر، عمان ، 2002، ص 239.


٢- نزار سعد الدين العيسى وإبراهيم سليمان، مصدر سابق، ص 299.


٣- Stephen L. Slavin, Macroeconomics, 8th Ed, McGraw Hill, New York, 2008,P496.


٤- محمود حسين الوادي وزكريا احمد عزام، مبادئ المالية العامة، الطبعة الاولى، دار المسيرة للنشر، عمان، 2007، ص 212.


٥- نفس المصدر.


٦- كاظم، كامل علاوي، قياس فعالية السياسة النقدية والمالية في العراق، المجلة العراقية للعلوم الإدارية، جامعة كربلاء،العدد 20، حزيران، 2008، ص 54.


٧- شيبي عبد الرحيم طاهر سمير، فعالية السياسة المالية بالجزائر: مقاربة تحليلية قياسية، مجلة التنمية والسياسات الاقتصادية، المعهد العربي للتخطيط ،الكويت، المجلد 12، العدد 1، يناير، 2010، ص 41.


٨- شامية، احمد زهير، النقود والمصارف، الطبعة الأولى، دار زهران، عمان، 2010، ص347.


٩- غدير، هيفاء غدير، السياسة المالية والنقدية ودورها التنموي في الاقتصاد السوري، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2010، ص 11.


١٠- Arthur O Sullivan and others, Economics Principles, Applications, and Tools, 6th Ed, Pearson, New York, 2010, p214.


١١- محمود حسين الوادي وآخرون، مبادئ علم الاقتصاد، الطبعة الاولى، دار المسيرة للنشر، عمان، 2010، ص323-324.


١٢- طارق الحاج، المالية العامة، الطبعة الاولى، دار صفاء للنشر ،عمان، الأردن ، 2009، ص 201.


١٣- نفس المصدر.


١٥- أحمد زهير شامية، مصدر سابق، ص 350.


١٦- محمود حسين الوادي وآخرون، مبادئ علم الاقتصاد ،مصدر سابق، ص 324.


١٧- ساكر، محمد العربي، محاضرات في الاقتصاد الكلي، الطبعة الأولى، دار الفجر للنشر، القاهرة، 2006، ص 119.


١٨- محمود حسين الوادي وآخرون، مبادئ علم الاقتصاد، مصدر سابق، ص 324.


١٩- محمود حسين الوادي، مبادئ المالية العامة، مصدر سابق، ص 192-194.


٢٠- محمد العربي ساكر، مصدر سابق،ص 119.


٢١- العيسى، نزار سعد الدين، و سليمان، إبراهيم، الاقتصاد الكلي مبادئ وتطبيقات، الطبعة الاولى، دار الحامد للنشر،عمان، 2006، ص 299-300.


٢٢- ريتشارد موسجريف وبيجي موسجريف، المالية العامة بين النظرية والتطبيق، ترجمة محمد حمدي السباخي، دار المريخ للنشر، الرياض، ص 33.


٢٣- هيثم الزغبي وحسن أبو الزيت، أسس ومبادئ الاقتصاد الكلي، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر، عمان، 2000، ص 205.


٢٤- Arthur O Sullivan and others ,op.cit , p214.


٢٥- مجدي شهاب، أصول الاقتصاد العام المالية العامة، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2004، ص 431.


٢٦- نفس المصدر، ص 433-435.


٢٧- محمود حسين الوادي، الاقتصاد التحليلي، الطبعة الاولى، الشركة العربية المتحدة للتسويق والتوريدات، القاهرة، 2010، ص449.


٢٨- Arthur O Sullivan and others ,op.cit , p 196.


* المرجع الرئيسي: أثر الصدمات الاقتصادية في بعض متغيرات الاقتصاد الكلي في العراق للمدة (1980 - 2011)، رسالة تقدم بها خضير عباس حسين الوائلي الى مجلس كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة كربلاء وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في العلوم الاقتصادية، ٢٠١٢.




مكتبة جواد
مكتبة جواد
تعليقات